مؤتمر قومي في القوش.. فخذوا العبرة منها

 

 

سيزار هوزايا / ملبورن - أستراليا

هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته

 

بخجل.. وهمسٍ ضاع في فضاءات الأحداث المتسارعة، تناقل البعض من مسؤولي مؤسساتنا السياسية وكتاب مواقعنا الإلكترونية أفكاراً عن مؤتمر قومي عام كان من المزمع عقده في نهاية العام المنصرم. لم تحدد ملامحه من زمان ومكان وعنوان. ولم يعرف عنه من الداعين إليه، سوى طموحين، الأول هو التمويل (الذاتي)، والثاني ضرورة عقده..

 

وإيماناً منا بضرورة التوافق والعمل الجماعي المشترك (وضرورة تجسيد هذه المصطلحات على أرض الواقع كي لا تصبح كلمات عابرة ومستهلكة ينفر منها أبناء شعبنا)، فأننا مع عقد هذا المؤتمر إن كان سيخرج بصيغ فعالة، مواكبة للتحديات التي يواجهها شعبنا الكلداني الآشوري السرياني في الوطن. على أن لا يكون مؤتمرنا مشابها في حيثياته ونتائجه لمؤتمرات القمة العربية وذيولها من مؤتمرات لوزراء الخارجية العرب، والإعلام العرب، والتجارة العرب، والنفط العرب..والبيئة العرب. وإلخ..من مؤتمرات الوزراء العرب، والتي لا تتعدى كونها إنفاقاً لدولارات شعوب العرب، وإستهلاكاً لكل تصريفات الفعل العربي من " أتفق، هدد، توعد، قاطع، أستبسل، دافع" وكل ما يمت لـ"أفعال" البطولة، والشهامة التي يتغنى بها العرب بعد أن "يتسلطنوا" على مواويلهم. و"يتسلطنوا" على "شعوبهم".

 

 

خذوا العبرة من القوش

 

إن النسيج الذي تزينت به القوش عبر تاريخنا منذ بداياته في تلك البلدة وليومنا هذا هو بحق مدعاة فخر لأبنائها، ولنا، نحن الذين سحرنا نسيجها الزاهي هذا.. وهو ما قد جعلنا نعتقد أنها بما تجمعه في نسيجها وعبق تاريخها،  قد تكون أرضاً دافئة لتحتضن أبناء شعبنا في مؤتمرهم المزمع عقده (يوماً).

 

فألقوش هي البلدة الآشورية القديمة، المتألقة في أوج عصور الإمبراطورية الآشورية، فهي تزهو بموقع "شيرو ملكثا" ومعبد الإله سين، وكل ما قد تكتشفه التنقيبات يوماً عن تاريخٍ سحيق يؤكد على نقاء تربتها ، وعلى كونها مدينة أستوطنها أبناءها ولا يزالون رغم مرور آلاف السنين.

 

والقوش هي ذاتها، البلدة المسيحية العريقة، التي أنتشر فيها ومن خلالها ومن خلال أبناءها إيمان كنيسة المشرق، فهي حاضنة الكرسي البطريركي للكنيسة النسطورية لثلاثة قرون (السادس عشر إلى التاسع عشر)، وهي أيضاً حاضنة دير الربان هرمزد، الذي منه تخرجت أعداد هائلة من الرهبان والكهنة، والأساقفة والبطاركة الذين قدموا عطاءاً وفيراً لكنيسة المشرق بفرعيها الكلدانية والآثورية على حد سواء، قبل"الإنفصال عن المذهب النسطوري" أو بصيغة أخرى "قبل الإتحاد مع كنيسة روما"، وبعده. فذاك هو بيت أبونا تحديداً قدم مفتخرا لكنيسة المشرق 12 بطريركاً.

 

القوش ، او يمد مثوثا كما يحب أن يتغزل بها أبناءها،هي البلدة التي قدمت الكثير للغة السريانية والتراث القومي والإيمان المسيحي وللخط السرياني وفنه من خلال مدرستها أو مدارسها التي تعاقبت على مر العصور ، فهي تحديداً قد تميزت بكثرة الخطاطين البارعين فيها في رسم الخط السرياني وكتابته وأشهرهم إسرائيل الألقوشي، حفيد القس إسرائيل هرمز شكوانا. وآخرين من بيت شكوانا و هومو ممن برعوا في نسخ الخط السرياني وتطوير رسمه وكتابته.

 

هي ذاتها القوش ، ذاك القلب الدافئ الذي فتح أبوابه على مصراعيه ليحتضن أبناء الأمة ممن أستطاعوا الهرب من الموت في مذابح سميل التي أستهدفت شعبنا.. وهي قلعة المناضل توما توماس، الذي خدم ودافع عن أبناء شعبه ببسالة، ودون تفرقة، ورفض المساومة مراراً في كل المحاولات التي قام بها معارضوه من أجل تغيير هوية شعبه.

 

وهي أيضاً البوتقة التي أنصهرت فيها العديد من العوائل التي أنحدرت إليها من قرى وقصبات أخرى منذ مئات السنين،  من أعالي جيلو، وأشيثا، وتخوما، وأقرور، وشيوز، ومانكيش وباز،وتلكيف وتللسقف ومعلثايا.. وسكنوا فيها وتكاثروا فيها وتعلموا فيها ودافعوا عنها.. فهم كلهم اليوم ألقوشيون يتحدثون بلكنتهم الجميلة اللذيذة التي تعشقها الأذن.

 

القوش هي قلب الإدارة الذاتية أو الحكم الذاتي، أو سهل نينوى، مهما تنوعت تسميات ذاك المشروع.

 

القوش هي أفضل مثال على أن شعبنا واحد لا يقبل القسمة على مصالح البعض. فهي لا تزال واقفة شامخة، كلدانية سريانية آشورية..سمها ما شئت، تتحدث السريانية متلألأةً..  وهي تستحق لكل ما ذكرناه أعلاه أن تكون حاضنة المؤتمر القومي المزمع عقده، بل لمؤتمرات وسنهادوسات كنسية مستقبلية علها تخرج بمقررات ونتائج أصيلة، أصالة تربة القوش.

 

 

والمؤتمر؟

 

مع كل شهر يمر، تزداد التحديات التي يواجهها شعبنا في الوطن، والمهجر أيضاً.. فالهجرة لا تزال متسارعة الخطى، لا تبطئ.. ولا تتوقف.. ومحاولات التغيير الديمغرافي لا تزال مستمرة على قدم وساق مخفيين حينا، ومكشوفين أحياناً أخرى كثيرة. فلما التخفي.. وممن الخوف؟ إن كانت التحديات والقضايا المصيرية لشعب بلا رادع  قد أصبحت بالعشرات؟

 

فمؤسساتنا السياسية، لا تزال في مرحلة الرومانسية والمغازلة، التي تسبق الخطوبة والزواج.. حيث التمعن في السماء "الصافية" رغم تلبدها بغيومها الماطرة هجرة وهجرانا.. وهي لم تتمكن من أن تضع لها موطئ قدم للتمثيل الصحيح لشعبنا من خلال ممارساتها- لحد الآن على الأقل-. فهي لا تزال تجتمع ببعضها من أجل عقد الإجتماعات، ونشر الصور، وإصدار البيانات  ليس إلا.. فنحن لم نلمس إنجازاً محسوباً لها منذ سنين ليست بالقصيرة، فالهم القومي والوطني أصبح مدرجاً على الهامش، والصراعات الداخلية في كل مؤسسة، وهموم أعضاءها في التسلط على تلك المؤسسة، والإنشقاق والتأييد والإنضمام والطرد والإبعاد والتزلف والتشبث وتجميد العضوية والصعود على أكتاف الغير هي شغلها الشاغل. وكل هذا بحد ذاته كفيل بأن توضع المسالة القومية ومصير الشعب لدى الكثير منهم على الرف المغبر.

 

نحن لا نطالب مؤسساتنا بأن تصنع العجائب في وطن المحسوبية والمنسوبية وحصة الأسد والكثافة العددية والطائفية المقيتة.. لا.. لكنا نطالبهم أن "يفعلوا" لا أن "يقرروا" فقط. هم سياسيون ماهرون في الكلام، لكنهم عكس ذلك في الفعل، فلا موقف (تجاوز مرحلة الإدلاء به إلى مرحلة العمل عليه وتحقيقه) يحسب لهم - على الأقل في غضون السنوات الأخيرة التي تلت الإنتخابات البرلمانية-!! ، لذا فمن حقنا نحن الذين إئتمناهم على وجودنا في الوطن، أن نطالبهم بتحسس واقع شعبهم ومتطلباته وهمومه، وأن يعملوا على حل ما يمكن حله.. وتفعيل ما يمكن فعله (وهو الكثير لمن له آذان للسمع). لا العكس!!

 

 

نقطة تثير الإستغراب ..حقاً..

 

حين كان الخلاف (أو لنقل الإختلاف في وجهات النظر كي نكون أكثر إيجابيين مع الذين يحبون الإيجابية ويفضلونها) بين الحركة والمجلس على أوجه، كانت شعارات الحكم الذاتي والإدارة الذاتية وحقوقنا في سهل نينوى تملأ فضاءات المسؤولين وتصريحاتهم من كلا الجانبين فلا يفوتوا مناسبة  دون "المناداة" بضرورة دعم المشروع وتحقيقه بما يتلاءم وسياستهم. أما اليوم فسهل نينوى والحكم الذاتي والإدارة الذاتية ليسوا سوى "نقاط" في قصاصة المسؤول التي يضعها أمامه حين يلتقينا نحن أبناء المهجر في "سفرته السياحية" والتي يقيمها (بحسب وسائل إعلامه) للوقوف على أحوال أبناء شعبنا في المهجر!!

 

حين كان الخلاف على أشده بين مؤسساتنا، كان نزيف الهجرة "يلطخ" بدلات المسؤولين وأربطتهم، أما اليوم وبعد الوفاق والإتفاق وبعد الجلوس على "طاولة واحدة" "عالية"، ما عاد النزيف يتطاير ولا عاد يلطخ بدلات المسؤولين..كيف ذا و"نزيف" الهجرة يسيل على الأرض فقط فلا يلطخ حتى الحذاء!!

 

حين كان الخلاف على أشده، كانت الأعمال الخيرية وإنجازات الإعمار والإسكان، وبناء القرى ومحطات الكهرباء، ومشاريع تشييد الجامعات والمدارس تملأ وسائل الإعلام، أما اليوم وبعد الوئام والسلام، فقد أصبحت هذه المشاريع ديباجة في كتاب، ولا يستبعد أن أصبح ترتيبها في"ورقة العمل" الخاصة بإجتماعات مؤسسات شعبنا السياسية يأتي بعد.

 

ذكر الإنجازات منذ تاريخ تأسيس المؤسسة.

 

ذكر الفضائل التي يتميز بها مسؤول المؤسسة الأول.

 

ذكر الرذائل التي يتصف بها معارضو مسؤول المؤسسة الأول.

 

تأييد المتزلفين.

 

معاقبة المعارضين.

 

تغيير المواقع والمناصب في المؤسسة إن دعت الحاجة إليها من أجل "الواجهة الحضارية" للمؤسسة وضرورة الحفاظ على صورة "الديمقراطية" فيها. مع إهمال تلك "الواجهة" وتلك "الضرورة" في حالات إستثنائية غالباً ما تكون "طويلة الأمد".

 

وأخيراً.. التطرق إلى المسائل القومية المكررة كالهجرة ونزيفها..إلخ (مع ضرورة إحترام وقت المجتمعين).

 

 

المؤتمر القادم..

 

في أثناء التحضير لأحد إحتفالات أكيتو في ملبورن وقبل سنون مضت، أبديت رأياً لبعض العاملين في اللجنة التحضيرية للإحتفال حول رسائل الدعوة الموجهة لبقية المؤسسات الخاصة بشعبنا في ملبورن، وأقترحت تغيير صيغة الدعوة من ندعوكم لحضور الإحتفال، إلى ندعوكم للمشاركة في التحضير للإحتفال.

 

إذا ما شاءت (النوايا) عقد مؤتمر قومي في المستقبل القريب، نتمنى أن تكون اللجنة المنظمة أولاً والتحضيرية ثانياً مستقلة إستقلالاً تاماً عن المؤسسات السياسية. لنا من المؤمنين بقضيتنا القومية، الكثير ممن فضلوا الحياد والوقوف على مسافة واحدة من جميع التيارات. ممن يستطيعون العمل مع ممثلي القوى السياسية. حينها فقط يمكننا التمني من تلك اللجنة أن تكون  فعالة في طرح القضايا الخاصة بشعبنا، أن تخاطب المؤتمرين بلغة جديدة، وصياغة جديدة، بعيدة كل البعد عن التشنج والتشفي والإنتقام والتذليل وفتح ما عتق من الملفات.. أن تعي أن مسؤوليتها تكمن في وضع (خطة عمل) مع وضع خطين تحت كلمة عمل.. أن لا تيأس مما ستجابهه من مواقف وتخرصات البعض. أن تكون (مؤمنة) بهذه القضية وهذه المسؤولية، أن تضع كل العراقيل المحتملة وسبل تجاوزها قبل البدء بعملها بالإستفادة من المؤتمرات السابقة. على أن تدرك في ذات الوقت أن مؤتمرها ليس سوى محطة في مشوار الشعب، محطة قد تكون نقطة جديدة للإنطلاق.

 

المؤتمر القادم بحاجة ماسة إلى لجنة عمل تدرك أنها ليست بحاجة لأن تصرف عشرات إن لم يكن مئات الآلاف من الدولارات كي يلتقي أبناء الشعب الواحد في مكان، لسنا بحاجة إلى صالات فخمة في فنادق محصنة لنجتمع فيها ونجمع فيها وسائل الإعلام كيما نبدي لهم (مستوى) مؤتمراتنا.  نتمنى أن لا تكون كل تلك المسائل سبباً في عرقلة التنظيم لمؤتمر قادم، مؤتمر يكون فيه الإنسان الكلداني السرياني الآشوري هو الدعامة، هو الإعلام الذي نبغى رضاه، هو الممول، وهو الحامي، وهو المقرر.

 

ما يحتاجه مسؤولي مؤسساتنا السياسية..

 

المسألة ليست إنشائية أو مثالية أو رومانسية من رومانسيات مؤسساتنا السياسية التي ذكرناها، لكنها فقط تحتاج إلى إيمان، إيمان بضرورة عقد مؤتمر (فعال)، بأن قضايانا لا تحتاج إلى (خلاف) داخلي كي نتشبث بها ونثيرها ونعمل على تحقيقها (نكاية بالغير).. المسألة تحتاج إلى إيمان بأن هناك لغة أخرى وصيغة أخرى، قد تكون أكثر (فعالية) يمكن من خلالها التخاطب والتفاعل، لغة تحتاج إلى أن يعطى من يتقنها فيناً فرصة لنشرها، إيمان بأن (التمويل الذاتي) (ومكان عقد المؤتمر) و(حماية المؤتمرين) كلها قضايا تتبخر على أرض كأرض ألقوش، فأنتم أعزائي المسؤولين بحاجة لأرض تعيدكم إلى بساطتكم، إلى حقيقة شعبكم وواقعه، إلى جذوركم، إلى مدرسة عوضاً عن فندق راق، إلى دير تتأملون فيه في مستقبل شعبكم عوضاً عن منتجع، إلى التواجد بين الأخوة عوضاً عن رجال الحراسات والأمن. أنتم بحاجة إلى أرض تنامون عليها وتأكلون منها، وتشربون من ماءها، لتتذكروا أعزائي (المسؤولين) أنكم مسؤولين عن تلك الأرض وذاك الشعب الذي رضي بأن تمثلوه.. إنكم بحاجة إلى أن تنتجوا جهداً أخوياً تجاه شعبكم، بدلاً عن صور تذكارية ولقطات تلفزيونية، أنتم بحاجة عوضاً عن بوفيه مفتوح وجلسة عشاء ومأدبة غداء في باحة الفندق، إلى ضيافة أناس ألقوش، فهم بالأمس في وقت الضيق وتحديدا قبل 79 عاماً أستقبلوا بتلك الضيافة وذاك الحب الأخوي من نجا من مذبحة سميل..

 

أ ولن يستقبلوكم اليوم إن (عزمتم) على إنقاذ ما يمكن إنقاذه، حفاظاً على الوجود أولاً، وماء الوجه ثانياً؟؟

 

 

سيزار هوزايا

تشرين تريانا 2012

ملبورن - أستراليا