المسيحيون العراقيون في لبنان ومعركة الصيف، أعداء كثر وأسلحة متواضعة

خويادا/وكالات:

 فادي كمال يوسف
ونحن على اعتاب الصيف، والذي يعتبر في لبنان موسم للاستجمام والاسترخاء، فيثير طقسه السياح من مختلف انحاء العالم، فيتوافدوا للتمتع بالميزات التي يزخر بها هذا البلد، أما للمسيحيين العراقيين  فالأمر مختلف تماما، الصيف بالنسبة لهم بداية لسلسلة من المعارك الشرسة يتكالب فيها العديد من الاعداء للانقضاض عليهم، وطالما يخسروا حربهم عند نهاية الموسم لضعف امكانياتهم وتواضعها، فيستسلموا لأزماتهم، حين يستنفذوا اسلحتهم المتواضعة

الحر الشديد صديق قديم، اما الرطوبة فهي المفاجأة القاسية
رغم ان ارتفاع درجات الحرارة ليس بغريب على العراقيين، وهو اشبه ما يكون بالصديق الصدوق لهم خلال اشهر الصيف اللهاب في العراق، الا ان الضيف الجديد والثقيل هو الرطوبة العالية التي تضرب لبنان خلال الموسم بسب اطلالته البحرية، في هذا الشأن يجد هيثم توما في حديثه لعنكاوا كوم أن “الرطوبة العالية خلال اشهر الصيف لا تحتمل بتاتا، وأغلب العراقيين هنا لا يملكون اجهزة تكييف، وهي الحل الوحيد في مواجهة الرطوبة العالية، والسبب ليس اسعارها الباهظة ولكن ارتفاع فواتير الكهرباء  حين استخدامها، والتي لا يملك اللاجئ تسديدها بإمكانياته الضعيفة”، مشيرا الى أن “الاطفال بالأساس لا يمكن لهم تحمل الرطوبة فهي خانقة جدا، وغالبا ما يصابون بأمراض جلدية وحساسيات نتيجة هذه الحالة، ومن هنا سندخل في مشاكل اخرى صحية هي الاخرى تثقل كاهل اللاجيء الذي لا يستطيع تغطية النفقات الطبية ذات الاسعار الجنونية هي الاخرى”

شحة المياه مشكلة خطيرة تطل برأسها صيفا
في بيان يتكرر بشكل دوري خلال فصل الصيف فأن مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان اعلنت عن  تأخر هطول الأمطار وتساقط الثلوج هذا العام أدى الى ازدياد ساعات التقنين في توزيع المياه في كافة مناطق بيروت وجبل لبنان، فيما تشير التقارير الصحفية الى ان لبنان يعتبر من بلدان الشرق الأوسط الفقيرة بالمياه، ووفق الأرقام المسجّلة في تقارير مصلحة الأرصاد الجوية في مطار بيروت الدولي، فأن النقص سجل نسبة 55 في المئة من الحاجة الفعلية للبلاد

من جانبه أعتبر توما أن “ازمة المياه تتعاظم مع فصل الصيف وتزداد قطع المياه التي تزودنا بها الدولة، ورغم اننا نشتري المياه للشرب بشكل مستمر طوال السنة لعدم صلاحيتها للشرب، ولكن انقطاع هذه المياه والتي تتعدد استخداماتها المنزلية في الغسيل والجلي والتنظيف والاستحمام، ستدخلنا في ازمة حقيقة خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة والتي تجعل المياه حاجة اساسية، فيما تلجأ العوائل الى شراء الماء وهذا استنزاف اخر لميزانية هي اصلا تعاني الكثير من العجز”، منوها الى أن “خزانات المياه في بنايتنا صغيرة وقديمة، بالإضافة الى الأساليب البدائية والغير صحية لخزن المياه ونقلها داخل تلك البنايات ما يعرضها للتلوث المستمر”

وطالب توما “الدولة لإيجاد حل ناجع لهذه المشكلة، والتي تستمر في بعض ايام الصيف الى اكثر من اسبوع، تجبرنا على شراء المياه والذي يكلف تقريبا بين 10 و15 دولار لكل 1000 لتر والتي لا تكفي سوى ليومين فقط”

الكثافة السكانية تسبب العديد من المشاكل صيفا
من جهة اخرى يعاني لبنان وكما هو معروف من صغر مساحته في مقابل كثافة سكانية لا تتناسب مع هذه المساحة، فكان البناء العمودي هو التعويض الأنسب لهذه المشكلة، ولكن مع الزيادة الكبيرة في عدد السكان أضف اليها ارقام ضخمة جدا من اللاجئين السوريين والعراقيين، ادى الى  تفاقم الأزمة وزاد من تعقيدها، نايف غانم 52 عاما أوضح لعنكاوا كوم أن “لبنان بلد صغير بمساحته وفي نفس الوقت فأن عدد سكانه كبير، ما اجبره على اللجوء للبناء العمودي لتوفير محلات للسكن، ولكن مع الارتفاع المضطرد والسريع  في النسبة السكانية جعل كثافة البشر كبيرة جدا في رقعة صغيرة نسبيا، وهذا ما تعاني منه منطقة مثل سدة البوشرية حيث تتجمع اغلب العوائل المسيحية العراقية، اضف الى ذلك ارتفاع بدلات الايجار والتي تجبر العوائل على السكن سويا في شقق صغيرة مقارنة بحجم تلك العوائل وهذه مشكلة كبيرة وخاصة في الصيف حيث تنتشر الامراض ويزيد الضغط على الخدمات كالماء والكهرباء والتصريف الصحي والتي تعاني هي اصلا من ضعف” في الوقت ذاته والكلام مازال لغانم أن “البنايات بالمجمل قديمة جدا وتعاني من مشاكل، خاصة في ما يتعلق بأنابيب المياه والتي أغلبها مهترئة، وبسبب قدم تصاميم البناء فإنها تكون مخفية وغير ظاهرة كما هو المعتاد في البناء الحديث في العراق، ما يجعل اصلاحها وصيانتها مكلف ومتعب”

وأستغرب غانم من اجبار أغلب أصحاب العقارات المؤجر على تحمل تكاليف الصيانة وإصلاح الاعطال لبنيات هي بالأساس متهالكة، مبينا أن “اغلب اصحاب العقارات يتركون مصاريف الصيانة من تصليح الانابيب وطلاء الجدران وغيرها على المستأجر وهذا غير منطقي بتاتا”، منوها الى ان “المياه بالأساس ضعيفة ولا تكفي العائلة المكونة من سبعة او ثمانية افراد لتوفير المستلزمات اليومية وهذا ما يسبب انتشار الأمراض والأوبئة”

وأشار غانم الى نقطة اخرى مهمة وهي “انتشار العديد من المراكز التي تهتم بالأطفال وتجذبهم من خلال برامج خاصة بهم، وأغلبها مجانية اذ تعتمد على منح تقدم من جمعيات اجنبية، وتتوجه بشكل خاص للعراقيين المسيحيين، ولكن المشكلة الكبيرة ان اغلب تلك المراكز هدفها ربحي فقط فهي لا تهتم بالنظافة ولا ترعى الاطفال بشكل جيد، نحن لا نقول جميعها ولكن اغلبها، وكثيرا ما اصيب اطفالنا بأمراض عند ارتيادهم لتلك الاماكن”، مستدركا عند سؤالنا عن سبب ارسال اطفالهم لمثل تلك الاماكن، أن “عدم وجود ساحات او ملاعب للترفيه، يجبرنا على ارسالهم رغم معرفتنا مسبقا بعدم صلاحية اغلب تلك المراكز”

الشاب داني هراير 30 عاما، يرى ان “قدوم الصيف بالمجمل يزيد من المشاكل المتراكمة على كاهل اللاجئ في لبنان والصعوبات منوعة قلة المياه وانقطاعه، ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة وعدم وجود السبل الكفيلة لدى اللاجئ لمواجهتها”، في الوقت ذاته يعتبر هراير أن “وسائل الترفيه في مثل تلك الظروف ليست في متناول اليد، فالأسعار مرتفعة جدا، وما يزيد تلك الاسعار ويضاعفها كون الموسم سياحيا، فالعائلة بحاجة ماسة الى الترفيه للخروج من الحالة السيئة التي نمر به، فأين تذهب العائلة في مثل هذة الظروف، الى اين تهرب من حرارة الجو والرطوبة العالية”، من جهة اخرى فأن “الاطفال كذلك بحاجة الى بعض الترفيه خلال هذا الفصل ولا يمكن حبسهم في شقق صغيرة، ملاعب الاطفال المعدومة تماما في كثير من الاحياء السكنية، فيما التجارية مرتفعة الاسعار”

الحشرات عدو لا يجابه
من جانب أخر تطرق سالم شمعون 62 عاما، الى عدو اخر لا يجابه بسهولة، والانتصار علية قصة لها العديد من الفصول على حد وصفه الا وهو الحشرات فيقول إن “قدوم الصيف مرتبط بظهور الحشرات التي تكون في سبات عميق شتاءً، وظهورها يكون بأعداد كبيرة جدا وخاصة البعوض والذي يتطلب معالجة ممنهجه من قبل الدولة عند مواسم التكاثر برش المبيدات، فمع الحر الشديد والرطوبة ليس لديك وسيلة للدفاع سوى بفتح الشبابيك ليلا ما يساعد على دخول اعداد هائلة من البعوض واذ كنا نحن نتحمل ذلك فأن الأطفال لا يستطيعون التحمل”

وزاد شمعون أن “البنايات التي نسكنها قديمة، وقد اصبحت مرتعا وبيئة مناسبة لمختلف انواع الحشرات، اما بالنسبة للمكافحة والعلاج فنحن نستعمل الكثير من المبيدات المكلفة ماديا، ولكن اغلبها غير مفيد فيبدو انها قد تأقلمت مع انواع المضادات المختلفة”، منوها الى أن “انتشار النفايات ولفترة زمنية طويلة في الشوارع، قبل ازالتها مؤخرا، ساهم بشكل كبير في نموها وتكاثرها وتوفير بيئة مناسبة لظهور انواع غير معروفة وخطيرة منها”

وكان المكتب الاعلامي لوزير الصحة العامة في الحكومة اللبنانية اعتبر في بيان له بداية الشهر الحالي ان البيئة الحاضنة للحشرات التي شهدها لبنان مؤخرا وارتفاع درجات الحرارة أديا إلى ازياد نسبة البعوض والذباب بشكل أعلى من المعتاد في بعض المناطق
ودعا البيان لإزالة أي مياه راكدة وباستعمال الأدوية المنفرة للبعوض على الجلد”، ولفت الى انه تم التواصل مع بعض البلديات التي تشهد ازديادا ملحوظا للبعوض، وأكدت أنها ستقوم بما هو مطلوب من رش المبيدات بالطريقة العلمية المطلوبة في الساعات القليلة المقبلة
وطالب شمعون “الدولة والمنظمات الانسانية مساعدة اللاجئين من خلال توفير مضادات  ذات فعالية عالية، فكما نعلم ان الكثير منها تنقل الامراض والاوبئة، كما نطالب بتوفير كراسات تحوي إرشادات وتعليمات لطرق معالجتها والقضاء عليها”

مجموعة من المشاكل والعقبات يحاول المسيحيون العراقيون في لبنان تجاوزها بإمكانياتهم المتواضعة علهم ينجحون في حربهم الصيفية، كما انهم يضعوها امام كل من يهمه الامر من منظمات دولية وحكومية، علها تقدم لهم يد العون، والا فلم يتبقى لهم سوى انتظار ساعة الخلاص، بانتهاء موسم استجمامهم الطويل